التصنيفات
كتب وقراءات

كنت طالبًا في عمان

صدر هذا العام 1442هـ كتاب جديد بعنوان “كنت طالبا في عمان: شيء من ذكريات الطفولة” للمؤلف عبدالعزيز بن عبدالله الفالح عن دار الثلوثية بالرياض في 297 صفحة بمقاس 21 × 14 سم، والكتاب -كما ذكر على غلافه الخلفي- يحكي تجربة طفل في العاشرة من عمره انتقل مع أسرته الصغيرة إلى سلطنة عمان بعدما أوفد والده من المملكة العربية السعودية ليعمل معلما في المدراس العمانية لمدة أربع سنوات، من عام 1400 هـ الموافق 1980م، حتى عام 1403هـ الموافق 1983م.

عمد المؤلف في مقدمة الكتاب إلى التمهيد للقارئ بالحديث عن الفرصة التي سمحت له بالكتابة عن ذكريات الطفولة، وهي فرصة الفراغ من العمل الوظيفي، والتأمل في مراحل الحياة بعد تقاعده المبكر، ولا سيما مرحلة الطفولة؛ فذكرياتها لا تنسى، ومواقفها تتراءى، وغرس المؤلف بذرة التشويق في نفس القارئ بتقديم وصف مجمل للتجربة قبل التفضيل فيها، فهي تجربة اغتراب أولى لأسرة صغيرة، مليئة بالأحداث والمواقف، موازية لتجربة السفر لبلد غربي، قبل عصر القنوات الفضائية، ووسائل التواصل الحديثة.

والكتاب بالجملة حسن التأليف والإخراج، فقد قسم المؤلف ذكرياته على ستة فصول، وجعل لكل فصل عنوانا معبرا؛ ليلفت نظر القارئ إلى مفاصل ذكرياته، وجزأ الفصول إلى حصص متقاربة الطول، ليسهل على القارئ تناولها في جلسة، وجعل لكل حصة عنونا مميزا؛ ليسهل على الباحث العثور عليها في الفهرس، والذكريات التي احتفظ بها المؤلف أو استرجعها مستعينا بالآخرين مدعومة بالوثائق الشخصية والأسرية، مطرزة بالصور القديمة للأشخاص والأماكن، مما يدل على عنايته بالتسجيل والتوثيق والتأريخ.

وكنت قد عرفت المؤلف قبل سنوات طويلة شاعرا مجيدا، فألفيته بعد قراءة تفاصيل تجربته قاصا بارعا، متمكنا من زمام السرد عامة، متفننا في التنويع بين أساليبه، يتضح هذا جليا في نسج خيوط أحداثه، وتصوير ملامح شخصياته، بالإضافة إلى فعل ما يمكن أن يمارسه سارد المذكرات خاصة من إيجاد تقابل بين الماضي والحاضر، وبناء المفارقات بواسطته، والتطرق إلى بعض الشخصيات التاريخية مع الواقعية، والمزج بين الذكريات الشخصية والأحداث التاريخية، وإعلان الشهادة، وإبداء الرأي، وإطلاق الأحكام.

وكم تبسمت لموقف طريف، وطفرت دمعتي لحادث حزين، وعجبت من الأثر العميق الذي تركته هذه التجربة في نفس المؤلف رغم قصرها، وصغر سن صاحبها، أتراها العلاقة الحميمة بين المؤلف وأسرته الصغيرة، ولا سيما والديه، فقد ظهر ذكرهما مع صفحة الإهداء في بداية الكتاب، ولم يغب ذكر والده رحمه الله عن سائر صفحاته، حتى ختم بالحديث عن وفاته، وبقصيدة في رثائه، وهي علاقة لا يعرف قيمتها إلا من حظي بمثلها، أم هي طبيعة الابن البار الذي لا يرى نفسه إلا من خلال علاقته بوالديه ومحبة لأسرته.

إن آثار تجارب الحياة لا تنطبع انطباعا غائرا إلا في نفوس صافية، نقية، مرهفة الحس، جياشة العواطف، تألف، وتؤلف، يأسرها الود، ويطوقها الوفاء، وتهيجها الذكرى، يقول المؤلف بعدما عثر على صورة قديمة بين أوراقه: “لكنها الصدفة الجميلة التي أحيت ذكريات امتدت أربعين عاما، فما كان من عينيّ إلا أن أسبلت دموعهما”، ويقول بعد العودة إلى الأماكن القديمة: “تزاحمت في نفسي ذكريات ممزوجة بحنين أرجعني كل تلك السنين، وكأنه شريط طيف في حلم جميل، لكني لا أخفي القارئ الكريم أنني لم أتمالك دموعي حينها”.

بواسطة صالح الهزاع

مدون سعودي

أكتب تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.